محمد جمال الدين القاسمي
25
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لقول أهل الكتاب في عهده صلى اللّه عليه وسلم ، في مدة لبثهم نائمين في كهفهم الذي التجأوا إليه ، ليتفرغوا لذكر اللّه وعبادته . وقد رد عليهم بقوله سبحانه قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا وإليه ذهب قتادة ومطرف بن عبد اللّه . وأيده قتادة بقراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه ( وقالوا ولبثوا ) قيل : وعليه فيكون ضمير وَازْدَادُوا لأهل الكتاب . وإنه يظهر فيه وجه العدول عن المتبادر وهو ثلاثمائة وتسع سنين . مع أنه أخصر وأظهر . وذلك لأن بعضهم قال : ثلاثمائة : وبعضهم قال أزيد بتسعة . ولا يخفى ركاكة ما ذكر ، فإن الضمير للفتية . ووجه العدول موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب . ودعوى الأخصرية تدقيق نحويّ لا تنهض بمثله البلاغة . وأما الأظهرية فيأباها ذوق الجملتين ذوقا سليما . فإن الوجدان العربي يجد بينهما في الطلاوة بعد المشرقين . ودعوى أن فيها إشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام ، واعتبار السنة الشمسية ، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب ، واعتبار القمرية ، بيانا للتفاوت بينهما ، إذ التفاوت بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين - دعوى يتوقف تصحيحها على ثبوت أن أهل الكتاب ازدادوا بالسنة الشمسية وأنه قص علينا ما أرادوه بالسنة الهلالية ، فلذلك قال : وَازْدَادُوا تِسْعاً لنقف على تحديد ما عنوه ، ومن أين يثبت ذلك ؟ وما الداعي لهذا التعمق المشوش ؟ والآية جلية بنفسها في دعواهم مدة لبثهم . وقد يريدون السنة الشمسية أو الهلالية ، وبأي منها قالوا : فقد رد عليهم بقوله : قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي بمقدار لبثهم . فلا تقفوا ما ليس لكم به علم ، وما هو غيب يرد إليه سبحانه ، كما قال : لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما ، أي أنه هو وحده العالم به أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي ما أبصره لكل موجود ! وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء . قال الزمخشريّ : جاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات ، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين ، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها ، كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما ، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر . لطيفة : قال في ( الإكليل ) : استدل بقوله تعالى : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ المنتخب على جواز إطلاق صيغة التعجب في صفات اللّه تعالى ، كقولك : ما أعظم اللّه وما أجله . انتهى .